السيد كمال الحيدري
30
الولايه التكوينية (حقيقتها ومظاهرها)
عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَىْءٍ « 1 » لكنّها جميعاً قوانين كلّية ضرورية إلّا أنها ضرورية لا في أنفسها وباقتضاء من ذواتها ، بل بما أفاده الله سبحانه عليها من الضرورة واللزوم ، وإذا كانت هذه الحكومة العقلية القطعية من جهته تعالى وبأمره وإرادته ، فمن البيّن أنّ فعله تعالى لا يجبره تعالى على مؤدّى نفسه ، ولا يغلبه في ذاته ، فهو سبحانه القاهر الغالب فكيف يغلبه ما ينتهى إليه تعالى من كلّ جهة ويفتقر إليه في عينه وأثره ، فافهم ذلك . فمن المحال أن يكون العقل الذي يحكم بما يحكم بإفاضة الله ذلك عليه أو تكون الحقائق التي إنّما وجدت أحكامها وآثارها به تعالى ، حاكمة عليه مقتضية فيه بالحكم والاقتضاء اللذين هو المبقى لهما القاهر الغالب عليهما . وبعبارة أخرى : ما في الأشياء من اقتضاء وحكم إنّما هو أثر التمليك الذي ملّكه الله إيّاها ، ولا معنى لأن يملك شئ بالملك الذي ملّكه الله بعينه منه تعالى شيئاً فهو تعالى مالك على الإطلاق غير مملوك بوجه من الوجوه أصلًا . فلو أثاب الله المجرم أو عاقب المثيب أو فعل أىّ فعل أراد ، لم يكن عليه ضير ، ولا منعه مانع من عقل أو خارج ، إلّا أنّه تعالى وعدنا وأوعدنا بالسعادة والشقاء وحسن الجزاء وسوء الجزاء ، وأخبرنا أنّه لا يخلف الميعاد وأخبرنا من طريق الوحي أو العقل بأمور ثم ذكر أنّه لا يقول إلّا الحقّ فسكنت نفوسنا به واطمأنّت قلوبنا إليه ، بما لا طريق للريب إليه ؛ قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ « 2 » ، وقال تعالى : وَالْحَقَّ أَقُولُ « 3 » وفى
--> ( 1 ) النحل : 89 . ( 2 ) آل عمران : 9 ، والرعد : 31 . ( 3 ) ص : 84 .